محمد حسين الذهبي
370
التفسير والمفسرون
وصنع جميل من هؤلاء العلماء ، وقد تابعناهم عليه حملا لحال المؤمن على الصلاح . . . ولكن لم يلبث أن تبدد حسن ظننا بالقوم على أثر تلك المقالة التي قرأناها لابن عربى في فتوحاته . . وفيها يصرح بأن مقالات الصوفية في كتاب اللّه ليست إلا تفسيرا حقيقيا لمعاني القرآن ، وشرحا لمراد اللّه من ألفاظه وآياته ويذكر لنا أن تسميتها إشارة ليس إلا من قبيل التقية ، والمداراة لعلماء الرسوم أهل الظاهر . . ، وفي هذه المقالة يحمل حملة شعواء على أهل الرسوم - على حد تعبيره - الذين ينكرون عليه وعلى غيره من الصوفية . وإليك ما قاله بالنص لتقف على رأيه الصريح الذي لا مواربة فيه ولا التواء . مقالة ابن عربى في التفسير الإشارى : قال رحمه اللّه : ( اعلم أن اللّه عز وجل لما خلق الخلق ، خلق الإنسان أطوارا ، فمنا العالم والجاهل ، ومنا المنصف والمعاند ، ومنا القاهر ومنا المقهور ومنا الحاكم ومنا المحكوم ، ومنا المتحكم ومنا المتحكم فيه ، ومنا الرئيس والمرءوس ومنا الأمير والمأمور ، ومنا الملك والسوقة ، ومنا الحاسد والمحسود وما خلق اللّه أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل اللّه المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهى الذي منحهم أسراره في خلقه ، وفهمهم معاني كتابه وإشارات خطابه فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام لما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم - كما ذكرنا - عدل أصحابنا إلى الإشارات . فكلامهم - رضى اللّه عنهم - في شرح كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات ، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة ، ورد ذلك كله إلى نفسهم مع تقريرهم إياه في العموم ، وفيما نزل فيه ، كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل الكتاب بلسانهم ، فعم به سبحانه عندهم الوجهين كما قال تعالى « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ « 1 » » يعنى الآيات المنزلة في الآفاق وفي أنفسهم ، فكل آية منزلة لها وجهان : وجه يرونه في نفوسهم ووجه آخر يرونه فيما خرج عنهم ، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ليأنس
--> ( 1 ) في الآية ( 53 ) من سورة فصلت